قلوبنا معك وسيوفنا عليك
من المقولات الرائعة والخالدة للشاعر أبي الأسود الدؤلي هي:
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
قوة هذه المقولة تكمن في مدى ملامستها لنا بشكل يومي. وبحكم أني عشت وسط مجتمع عربي وإسلامي أعتقد أن هذه المقولة نشأت بسبب كم التناقضات في مجتمعاتنا. فكل شخص يرغب في أن يصلح غيره ولكن لا يوجد من يرغب بإصلاح نفسه! الأغلبية ترغب في أن ترى من حولها يسيرون على الصراط المستقيم وبنفس الوقت لا تقدم على أبسط الخطوات للبدء بنفسها.
والسؤال الذي يراودني هو: ما سبب هذا الإصرار على إصلاح الآخرين؟ هل له علاقة بالذنب الذي يشعر به الشخص تجاه نفسه وأعماله وبالتالي يرغب في أن يعوض عن هذا النقص أو يحاول أن يقنع نفسه بأنه شخص فاضل اذا سعى لنصح وتوجيه غيره؟ منذ صغري كنت لا أرتاح لمن يبالغ بالحديث عن الشرع والدين، لطالما كانت تعتريني شكوك حول هؤلاء. وأنا لا أتكلم عن الشخص المؤمن أو المتدين البتة، ولكن أتكلم عن النوع الذي كل كلامه وعظ وأحاديث واستغفار بأسلوب يجعلك تشعر بأنه أقرب للرياء وليس حقيقة. ويوماً بعد يوم أكتشف ويكتشف الشباب من عمري ومن هم أصغر سناً أن أكثر مدعي التدين هم الأكثر بعداً عنه! فإذا كنت فعلا متديناً فهذا الأمر بينك وبين ربك، أليس كذلك؟ ولكن إصرارك على إظهار مدى تدينك أمام الآخرين قد يكون لتغطية أمر ما أو حتى مصيبة تحملها بداخلك.
لكي لا نطيل في الحديث، الرسالة التي أود إيصالها هي: دعوا الخلق للخالق. نعم من حقك أن تنصح وتوجه ولكن ليس من حقك فرض وصايتك، لا سيما اذا كنت أنت مقصرا. بدل أن تراقب سلوك الآخرين وحياتهم الخاصة، لماذا لا تحاول البدء بنفسك؟ على سبيل المثال، جرب أن تتوقف عن الغيبة والنميمة والتحدث بالسوء عن الآخرين؟ وبدل أن تعظ غيرك باتباع الحق ومدرسة أهل البيت ما رأيك أن تطبق مبادئ أهل البيت بالوقوف مع الحق في المواقف الصعبة؟ الإمام الحسين خُذل من قبل أنصاره، بدليل أنه صدح بصوت عالٍ: ألا من ناصر ينصرنا. ولو كان محبوه غير مقصرين بنصرته لما قيلت هذه العبارة.
البعض يرتجف من مواجهة الظالم، بل البعض حتى غير قادر على اظهار دعمه للمظلوم خوفاً على نفسه، وبعد ذلك يحدثك عن أهمية نصرة الحق ويستشهد بالإمام الحسين! فعلا شر البلية ما يضحك. شخص عاجز عن مواجهة أبسط مخاوفه، يحلم بيوم يكون فيه من أنصار الحسين ويرفع السلاح ليقاتل معه! ولكن يبدو أن الموضوع تحول لعادات وتقاليد والأمر اليوم حدوده لا تتجاوز اللطم والبكاء. وأكاد أجزم بأن أكثر المتشددين دينياً لو كانوا يعيشون بزمن الإمام الحسين لكانوا من فرقة «قلوبنا معك وسيوفنا عليك»!

Comments
Post a Comment