الاختلاف في الرأي يفسد للود قضية؟
من الفروقات التي لامستها بين المغردين هي رحابة صدورهم للنقاش، فقد تبين لي أن الكثير منهم يعطون أنفسهم الحق بإنتقاد الآخرين ولكن بنفس الوقت لديهم حساسية مفرطة تجاه إنتقاد أعمالهم. التغذية الراجعة "feedback" تلعب دور محوري في دفع العمل إلى الأمام وبالطبع المقصود هنا هو النقد البناء وليس الجارح والذي لا يهدف إلى تطوير منظومة العمل.
وهذا الأمر ينطبق تماماً على العنصر البشري، فالشخص الذي يرحب بالنقد وتصويب أخطاءه يساهم في تطوير سلوكياته وأعماله بإستمرار بينما الذي يرفض اي تغيير لمنهجه وعمله ويفسر الأمر بأنه انتقاصاً من مكانته يحفر قبره بيده لأنه سيبقى أسير نفس الفكر والسلوك والأسلوب طوال حياته. كذلك أود الإشارة إلى أنني لا أهدف إلى الاسهاب بأساليب النقد ومدى فاعليتها ولكنني أركز على نوع محدد ومدى أثره على المتلقي. فعلى سبيل المثال في السياسة الأسلوب الساخر "sarcasm" يحقق المعجزات ولكنني بهذا المقال ركزت على التغذية الراجعة البناءه وعلاقتها بالعنصر البشري.
في أمريكا وخلال دراستي للماجستير جعلنا أحد الدكاتره نشارك بتجربة التغذية الراجعة بأسلوب مشابه للمدراء بكبرى الشركات الأمريكية. كانت هذه التجربة صعبة للغاية إلى الدرجة التي جعلت بعض الطلاب يبكون خلالها! في تجربة التغذية الراجعة يجلس كل طالب بحسب دوره في منتصف الفصل على كرسي ليستمع إلى جميع زملاءه، واحداً تلو الآخر وهم يذكرون عيوبه! دون حقه في الحديث أو المقاطعة. فلكم أن تتخيلوا حجم الضغط النفسي الذي يشعر به الشخص في هذه اللحظة وكأنه منبوذ ولا يراه الآخرين إلا بهذه العيوب. ولكن التجربة لا تنتهي هنا وحسب، ولكن بعد أن يذكر كل زملاء الطالب عيوبه، يقومون بنفس الأمر ويذكرون إيجابياته! ولذلك من يمر بهذه التجربة ينقل من حالة ذهنية ونفسية إلى أخرى بوقت قصير وقياسي. تنتهي التجربة بتمكينك من الحديث والتعبير عن مشاعرك ورأيك بما سمعت وكذلك تحصل على ورقة كتب بها كل "العيوب" و "المزايا" التي ذكرت عنك.
وأنا هنا لست بصدد مقارنة أنجح الشركات الأمريكية بواقعنا المحلي الحزين فذلك فيه الكثير من القسوة. ولكنني وددت أن أسلط الضوء على أهمية المصارحة والشفافية في تطوير الذات والسلوك والقدرات وأثرها على العنصر البشري. وما بعثني لكتابة هذا المقال على وجه التحديد هي كثرة المجاملات والأكاذيب والتي باتت جزءا لا يتجزأ من مجتمعاتنا، حتى بات من ينطق الحقيقة يصنف كمجنون أو خارج نطاق التغطية. الأمر الآخر هو عدم تقبل البعض لأي نقد أو عتاب وتفسيره كإهانة شخصية لهم. هذا مع العلم أن نفس هؤلاء يعطون أنفسهم الحق بالإنتقاص من الغير. ألا يعتبر ذلك ازدواجية في المعايير؟ وقد لاحظت أن هذا الأمر ينطبق على الكثير من الكتاب والمثقفين الذي كنا نتصور أن يفكروا بطريقة تختلف عن الغير متعلم ولكنهم بهذه الجزئية لم يختلفوا عن غيرهم.
في الختام لا غرابة من أن تجد البعض يدور بنفس الحلقة والمكان بمعزل عن عمره وتعليمه بينما تجد البعض الآخر يحلق في الفضاء ويبرز إجتماعيا ومهنيا رغم صغر سنه. فالأخير لم يحول كل من اختلف معه إلى عدو يستحق العقاب والنبذ، بينما الأول أعتقد بأن الوحي الآلهي نزل عليه فتكبر وتعامل بتعالي مع غيره والنتيجة بأنه خسر نفسه قبل أن يخسر الكثيرين من حوله.

Comments
Post a Comment